القرطبي

210

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لأنه متصل بقولها : " أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " [ يوسف : 51 ] وهذا مذهب الذين ينفون الهم عن يوسف عليه السلام ، فمن بنى على قولهم قال : من قوله : " قالت امرأة العزيز " [ يوسف : 51 ] إلى قوله : " إن ربي غفور رحيم " كلام متصل بعضه ببعض ، ولا يكون فيه وقف تام على حقيقة ، ولسنا نختار هذا القول ولا نذهب إليه . وقال الحسن : لما قال يوسف " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " كره نبي الله أن يكون قد زكى نفسه فقال : " وما أبرئ نفسي " لأن ( 1 ) تزكية النفس مذمومة ، قال الله تعالى : " فلا تزكوا أنفسكم " ( 2 ) [ النجم : 32 ] وقد بيناه في " النساء " ( 3 ) . وقيل : هو من قول العزيز ، أي وما أبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف . ( إن النفس لأمارة بالسوء ) أي مشتهية له . ( إلا ما رحم ربى ) في موضع نصب بالاستثناء ، و " ما " بمعنى من ، أي إلا من رحم ربي فعصمه ، و " ما " بمعنى من كثير ، قال الله تعالى : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " ( 3 ) [ النساء : 3 ] وهو استثناء منقطع ، لأنه استثناء المرحوم بالعصمة من النفس الأمارة بالسوء ، وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شر غاية وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية " قالوا : يا رسول الله ! هذا شر صاحب في الأرض . قال : " فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم " . قوله تعالى : وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ( 54 ) قوله تعالى : ( وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي ) لما ثبت للملك براءته مما نسب إليه ، وتحقق في القصة أمانته ، وفهم أيضا صبره وجلده عظمت منزلته عنده ، وتيقن حسن خلاله قال : " ائتوني به استخلصه لنفسي " فانظر إلى قول الملك أولا - حين تحقق علمه - " ائتوني به " فقط ، فلما فعل يوسف ما فعل ثانيا ( 4 ) قال : " ائتوني به استخلصه لنفسي " وروي عن وهب بن منبه قال : لما دعي يوسف وقف بالباب فقال : حسبي ربي من خلقه ،

--> ( 1 ) من ع . ( 2 ) راجع ج 17 ص 110 . ( 3 ) راجع ج 5 ص 246 فما بعد وص 12 . ( 4 ) في ع وو وى : قال ثانيا .